|
باتت عمليات غسل الأموال واحدة من أخطر الجرائم
الاقتصادية ذات الانعكاسات السلبية على المجتمع ، وذلك
لكونها القاسم المشترك لمعظم أنماط وأشكال الجرائم
والأنشطة غير المشروعة الأخرى .
ويمكن تعريف غسل الأموال على أنه مجموعة من
الإجراءات التي تهدف أساسا إلى إخفاء المصدر الحقيقي
للأموال والمتحصلات الناتجة عن أعمال إجرامية ، وإضفاء صفة
الشرعية على هذه الأموال وإعادة ضخها في الاقتصاد الوطني
.
وتتميز أساليب غسل الأموال بالتغير والتجدد المستمر
، وقد ساهم في ذلك التطور الكبير في التقنيات المصرفية
والمالية المتاحة ودخول ابتكارات وأدوات جديدة ، إلى جانب
ما تشهده كثير من الدول من إدخال أنظمة الانفتاح الاقتصادي
وجذب الاستثمارات الأجنبية وإنشاء المراكز المالية ، ولهذه
الأسباب أصبحت وسائل غسل الأموال كثيرة التنوع والتعقيد ،
ولم تعد تأثيراتها قاصرة على المعاملات المصرفية والتجارية
والاستثمارية التقليدية ـ بل امتدت لتشمل بشكل متنامي
استخدام وسائل الدفع الالكترونية ، ونقل الأموال عبر
الحدود ، واستغلال نظام التجارة العالمي بالإضافة إلى
استخدام الأنشطة والمجالات غير المصرفية . كذلك ظهر في
الآونة الأخيرة تزايد استخدام المهن غير المالية في غسل
الأموال.
ولا ينبغي التعامل مع جهود مكافحة غسل الأموال على
إنها من مهام أجهزة مكافحة الجريمة فحسب بل لابد من النظر
وبشكل متوازي على إنها قضايا تهدد الاستقرار المالي
الاقتصادي .
وقد برزت أهمية ذلك في السنوات الماضية على أثر
النمو الهائل في عمليات غسل الأموال وخاصة تلك التي تتم
عبر النظام المالي المصرفي العالمي .
وقد بات واضحاً لدى جميع السلطات في مختلف دول
العالم أن عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب لم تعد تشكل
تهديداً لاستقرار النظام الاقتصادي في دولة بعينها بل
أصبحت تهدد استقرار النظام المالي المصرفي العالمي
.
كذلك فإن لظاهرة غسل الأموال ، أثار سلبية على
الاقتصاد الكلي فشيوع هذه الظاهرة في اقتصاد معين ، يضعف
قدرة السلطات على تنفيذ السياسات الاقتصادية الكلية بكفاءة
، وذلك لضعف مصداقية البيانات والإحصاءات الاقتصادية
المتاحة في ظل عدم القدرة على قياس التنبؤ بحجم هذه
العمليات كذلك فإن التقلبات الشديدة في حركة الأموال
والودائع والتدفقات ، المصاحبة لعمليات غسل الأموال ، تؤثر
على استقرار السوق النقدية وسوق الصرف الأجنبي
.
كما أنه لا ينبغي أيضاً إهمال دور غسل الأموال
والأنشطة الإجرامية المرتبطة به ، في خلق تشوهات في توزيع
الموارد والثروة داخل الاقتصاد . وبالإضافة إلى ذلك هناك
أدلة على الأثر السلبي لعمليات غسل الأموال على النمو
الاقتصادي ، ومن خلال ما يصاحب هذه العمليات في الغالب من
إعادة توجيه للموارد نحو الاستثمارات غير المجدية عالية
الخطورة ، على حساب الاستثمارات المجدية والحقيقية
.
كما ينبغي
الإشارة إلى أن مخالفة وعدم التقييد بالمبادئ والمعايير
الدولية المعنية بمكافحة غسل الأموال الصادرة عن عدد من
التجمعات والمنظمات الدولية والمؤسسات الاقتصادية والمالية
التي في مقدمتها مجموعة العمل المالي الدوليــة
لمكافحــــــة غســـــل الأمـــــــوال FATF ذو
تكلفة ومخاطر اقتصادية وغير اقتصادية كبيرة
.
فالدول والمؤسسات التي يعرف عنها عدم
الالتزام بهذه القواعد والمبادئ تواجه خطر تطبيق
إجراءات معاكسة ستؤدي في أقلها إلى ارتفاع تكلفة المعاملات
الاقتصادية والمالية معها وتعيق كفاءة وسرعة انتقال
التدفقات والمدفوعات منها وإليها ، عدا عن التبعات
السياسية والأخلاقية التي تلقى على هذه الدول والمؤسسات
نتيجة تساهلها في تعقب ومحاربة غسل الأموال وتمويل الأنشطة
غير المشروعة .
وبالمقابل فالدول التي تلتزم بالمعايير والقواعد
الدولية تنال ثقة المجتمع الدولي بها وتكتسب مؤسساتها
وقطاعاتها المالية سمعة طيبة ، الأمر الذي يترتب عليه آثار
إيجابية على اقتصادياتها وأوضاعها السياسية والاجتماعية
.
وقد بادرت دولة قطر باتخاذ العديد من التدابير
والإجراءات الاحترازية في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل
الإرهاب والتي كان الغرض منها توفير الحماية اللازمة
لمؤسساتها وقطاعاتها المالية من المخاطر الناشئة عن هذا
النوع من الجرائم الخطيرة .
وقد جاء على رأس هذه التدابير إصدار القانون رقم 28
لسنة 2002 بشأن مكافحة غسل الأموال المعدل بالقانون رقم 21
لسنة 2003 ، واللذين وفرا البنية التشريعية لكل ما يتخذ من
إجراءات وتدابير في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل
الإرهاب .
واستناداً إلى المادة رقم ( 8 ) من القانون المذكور
تم تأسيس اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل
الإرهاب في التاسع من نوفمبر سنة 2002برئاسة نائب محافظ
مصرف قطر المركزي .
وقد باشرت هذه
اللجنة مهامها واختصاصاتها التي حددها القانون ، وحققت
الكثير من الإنجازات التي كان لها مردود طيب وأثر ايجابي
في تمكين دولة قطر من الانضمام إلى عضوية بعض المنظمات
الدولية والإقليمية ذات العلاقة بمكافحة غسل الأموال
وتمويل الإرهاب مثل مجموعة اجمونت الدولية ، ومجموعة العمل
المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA FATF
.
وقد حرص مصرف قطر المركزي منذ بداية التسعينات على
اتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهة ظاهرة غسل الأموال
وتمويل الإرهاب فأصدر العديد من التعليمات للمؤسسات
المالية العاملة بالبلاد والتي تشتمل على كافة الجوانب
التي يتعين العمل بها ، إلى جانب إصدار المصرف لإرشادات أو
دليل عمل يمكن تلك المؤسسات من التعرف على الظاهرة
الإجرامية وأساليب مكافحتها .
كما يحرص المصرف
على تقديم الدعم للمؤسسات المالية ، والعمل على تقوية
مراكزها المالية من خلال تطبيق المعايير المصرفية العالمية
لتصبح هذه المؤسسات قادرة على حماية نفسها وأموال المودعين
لديها من الاستغلال في عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب
وهو ما يعزز مصداقيتها والتزامها بمعايير الشفافية
الدولية ، وينمي قدراتها على تقديم خدمات مصرفية ومالية
متميزة .
ولا يكتفي المصرف بما تقدم بل يتابع من خلال
الإدارات المختصة لديه التحقق من التزام المؤسسات المالية
بالتعليمات الصادرة إليها في مجال مكافحة غسل الأموال
وتمويل الإرهاب .
وأخيراً كان لمصرف قطر المركزي دوراً ايجابياً في
تأسيس وحدة المعلومات المالية وهي الجهة التي يناط بها
حالياً الإشراف على إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل
الإرهاب في الدولة . |